جلسنا هناك في منزلها و بشوق ولهفة لرؤيتها انتظرنا وقد صوبنا أعيننا نحو الباب إذ أقبلت تتوكأ على عصا لها وهي تمشي متهادية نحونا تحاول انت تتبين وجوهنا وكأنها غير معتادة على هذا العدد من الغرباء في منزلها , كان الزمان قد نسج خيوطه على قسمات وجهها وكأن الماضي قد اتخذ من وجهها مرآة ترى فيها نفحات الزمن الجميل.
جلست بيننا وبكلمات مفسره بدأت ترحب بنا وكم كان يهز صدورنا الصدق النابع من صوتها وهي تردد كلمه يا أولادي وصحبتنا معها في رحلة الى الماضي الجميل تصور لنا ما رأته من تعب وشقاء مغلفين بالسعاده وقد صارت أيامها الماضية مجرد ذكريات محفورة في عقلها لم يستطع الزمان بسنواته الطويلة أن يمحوها أبدا بدأت تسرد لنا قصة زواجها المبكر و بلغة بسيطة عقدت مقارنه بين زواجها وزواج أحفادها حين قالوا لها على سبيل الاخبار لا أخذ الرأي سوف نزوجك من فلان بينما يؤخذ رأي فتيات عصرنا هذا فتوافق على العريس او ترفضه و تفاضل بين أكثر من شخص كما أنها ربما كانت تجاملنا اذا انتصرت لجانب هذه الايام التي نعيشها مهما كان يغلفها من الراحة مقارنة بما كانت عليه قديما من أعمال المنزل الشاقة التي كانت تقوم بها وحدها وبخاصة أنها كانت أمًا لاثني عشر طفلا , اربعه اولاد وثماني بنات .
وبسؤالها عن الرؤساء والملوك الذين عاصرتهم لم تستطع أن تتذكر الملك فاروق ولكنها تذكرت جيدًا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وكيف أن الجميع بكوه بحرارة , وهو أمر يعكس لنا المكانة الكبيرة التي احتلها الرئيس جمال عبد الناصر في قلوب البسطاء وصورت لنا أيضا القلق الذي كان يسيطر عليهم على زوجها في ذهابه وإيابه إلى الجيش ومشاركته في الحروب المختلفة كم كنا نحاول نتسابق في طرح الأسئلة عليها رغبه منا في تكوين فكرة أكبر عن الحياه في العهد الماضي ولكن إشفاقنا على أن نكون قد أرهقناها جعلنا ننهي معها هذا الحديث الشيق والممتع ولعل أبرز ما لفت نظري هو ان الله قد منّ عليها بقدرة جيدة على السمع فلم تحتج أن نرفع صوتنا كثيرا و كلماتها كانت بسيطة واضحة ولقاؤها كان رائعًا وممتعًا وودعناها والأذن تطرب لسماع كلمه وداعها (مع السلامة يا أولادي ).